مقدمة: بين حفّار الأنفاق” افورق” وبنّاء الواجهات” ابي أحمد
في قلب الإقليم المتصدع تقف خريطة القرن الإفريقي كجسد مجروح تتنازع أطرافه قوى متضادة. اسمرا لا تقف على حدودها، بل تُطل كأصابع سوداء تمتد عبر الفجوات الجيو سياسية تعبث بنسيج الخرائط وتفتح شقوقاً في جدران الدول المتآكلة. أما أديس ابابا، فليست عاصمة متماسكة بل “حفرة مركزية” تتآكل من الداخل، تحاول لملمة أطرافها بينما يتمزق جسدها بين نبضات اوروميا وشظايا امهرة وندوب تقراي القديمة. ليست الحرب هنا مجرد معركة بنادق بل نزاع على مفاتيح الجغرافيا وصراع على حق إعادة المجال الإقليمي من الأساس.
ومن هذه الصورة الذهنية المتخيلة التي تكثّف هشاشة الخرائط وتفكك المركز ينفتح باب التحليل على طبيعة هذا التوتر المتصاعد بين اسمرا واديس ابابا. فالمسالة تتجاوز اللحظة الراهنة وتتخطى التصنيفات التقليدية للصراع لتكشف عن بنية أعمق وأكثر تعقيداً: صراع بنيوي على إعادة انتاج السلطة والسيادة وتوزيع النفوذ داخل إقليم لم تُحسم بعد هويته السياسية.
إننا إزاء تصادم مشروعين متناقضين لا يختلفان فقط في الأدوات بل في الجوهر والاتجاه – مشروع سلطوي عابر للدولة يقوده “افورقي ” يعمل على تفكيك الكيانات من الداخل في مقابل مشروع اثيوبي مأزوم يقوده “ابي احمد” ويسعى جاهداً لإعادة ترميم مركز متآكل على أنقاض فيدرالية إثنية فقدت تماسكها.
انهيار الإمبراطورية الاثيوبية وتفكك المركز
منذ انهيار الإمبراطورية الإثيوبية، لم تعد الصراعات تُدار من مركز وطني موحد، بل باتت تتحرك وفق منطق التشظي وتفكك الدولة، حيث تتقدم الأطراف وتنهار البنى المركزية. فالانهيار الأول جاء مع سقوط نظام هيلا سيلاسي عام 1974 الذي أطاح بنموذج المركز الإمبراطوري، لتدخل اثيوبيا في مرحلة عسكرية – ثورية بقيادة نظام منقستوا هايلي ماريام، الذي حاول إعادة إنتاج المركز عبر القمع والاشتراكية العسكرية، لكنه فشل في بناء عقد وطني جامع، لتسقط الدولة المركزية مجدداً عام 1991م. مع مجيء الجبهة الثورية الديمقراطية بقيادة جبهة تقراي، أعيد تشكيل إثيوبيا وفق منطق الفيدرالية الإثنية، الذي لم يرمم المركز بل حوّله إلى إدارة هشة لتوازنات اثنية متضادة. وما ان وصل ابي أحمد الى السلطة عا2018م حتى بدأ واضحاً ان ما يسمى ب “المركز الإثيوبي” هو مجرد نقطة ضعف مفتوحة على احتمالات التفكك أكثر من كونه مصدر استقرار أو وحدة.
مشروع “افورقي” العابر للحدود
ضمن هذا السياق المتفكك، صعد المشروع الإرتري كقوة مضادة لا تسعى إلى بناء دولة بالمعنى المؤسسي، بل سعى الى انتاج نمط سلطوي عابر للحدود، يقتات على تفكك الجوار لا على تماسكه. ايدلوجيا اسياس افورقي ليست برنامجاً وطنياً يقدر ما هي رؤية شمولية ترى في الدولة القومية الحديثة كيانات هشة يمكن اختراقها وإعادة تشكيلها. منذ البداية لم يؤمن افورقي بالدولة كإطار شرعي سيادي، بل وظفها كأداة لضبط الداخل والتحكم في الخارج.
وحتى مشروع التحرير الإرتري الذي قاده لم يكن متجذراً في تصور وطني صرف، بل كان مزيجاً من البرغماتية الثورية والانتهازية الجيو سياسية، ما جعله لاحقاً يبني نظاماً لا يملك دستوراً ولا مؤسسات مستقرة ويعتمد بالكامل على الأمن المطلق والولاء الشخصي.
هذا المنطق الايدلوجي ترجم نفسه في سياسة خارجية تقوم على الطابع العابر للحدود. فبدلاً من تحصين الدولة الإرترية داخلياً، إختار افورقي توسيع نفوذه إقليميا عبر خلق شباكات من الولاءات والمليشيات والتحالفات الهشة في محيطة الجغرافي. فقد دعم فصائل مسلحة داخل اثيوبيا من اروميا الى امهرا وتقراي كما انخرط في إعادة هندسة التوازنات في شرق السودان وغرب تقراي وساهم في تفكيك أجهزة الدولة المركزية الاثيوبية عبر الحرب ثم عبر التوظيف السياسي للهدنة. هذا الطابع العابر للحدود لا ينبع من فائض قوة بل من استراتيجية ضعف هجومي حيث يتم نعويض هشاشة الداخل عبر تصدير الازمات وتفكيك المحيط.
بهذا المعنى لا يخوض افورقي صراعاً بالوكالة بل يعمل على هندسة معقدة لتفكيك اثيوبيا عبر فتح خطوط نزاع جديدة في اروميا وتعميق الفوضى في إقليم أمهرا وإعادة عسكرة تقراي بما يفضي الى شلل المركز ومنعه من إعادة بناء خريطة سياسية موحدة. في المقابل تحاول اديس ابابا التعامل مع هذا التآكل عبر تأطير إرتريا كخطر خارجي لكن دون امتلاك القدرة المؤسساتية أو الشرعية الشعبية لإعادة إنتاج مشروع وطني جامع.
تتشكل ملامح الصراع الحالي في سياق إقليمي مأزوم تهيمن عليه ديناميات الانهيار وتفكك الدولة المركزية حيث لم تعد الدول المحيطة قادرة على فرض توازن داخلي أو إقليمي. فالسودان غارق في صراع بنيوي على الشرعية والسيادة، بينما تعيد الصومال تموضعها في ظل هشاشة أمنية واختراقات خارجية، وتعيش جيبوتي تحت ضغط شبكات النفوذ الإقليمي والدولي.
هذا الانهيار المتزامن لم ينتج فراغاً جيو سياساً فقط، بل خلق بيئة خصبة لاستراتيجية “افورق” العابرة للدولة، حيث بات بإمكانه التمدد خارج وزنه الفعلي، ليس بفعل قوة متماسكة، بل استناداً الى منطق التفكيك وتعميق التصدعات القائمة.
وفي المقابل تغرق اثيوبيا في عجز مزمن عن احتواء ازماتها الداخلية، وفقدت القدرة على بناء مشروع سياسي جامع ما جعلها عرضة لهندسة صراعات جديدة تتجاوز حدودها وتضرب مركزها.
مابعد بريتوريا.
إن إعادة قراءة “المصالحة بين افورقي وابي احمد في عام 2018 تكشف عن طبيعتها الوظيفية. لم تكن تسوية بقدر ما كانت تحالفاً ظرفياً ضد عدو مشترك. لكن ما لبث ان تحوّل هذا التحالف الى أداة توسع ارتري داخل اثيوبيا عبر دعم فصائل متمردة وتغذية الصراعات الاثنية وخلخلة التوازنات الهشة. لم تكن الحرب الوسيلة الوحيدة بل أصبح الانهاك البنيوي الداخلي هو الاستراتيجية المفضلة هدفها ليس الانتصار بل الحيلولة دون نشوء مركز اثيوبي قادر
ورغم ما حققته هذه الاستراتيجية من نقاط فإنها تعاني من مفارقة بنيوية. تقويض الجوار لا يضمن الاستقرار الداخلي فالنظام الإرتري ذاته يعيش على اقتصاد الحرب ويعيد انتاج نفسه من خلال صراعات خارجية لكنه يعاني من عجز مزمن عن التحول الى دولة مؤسسية قادرة على الحياة دون عداء دائم مع محيطه.
أدوات اثيوبيا في مواجهة الدور الإرتري – بين الاحتواء والردع
أديس ابابا في المقابل لم تنجح في الخروج من حالة الدفاع التكتيكي. مبادراتها التفاوضية مع تقراي وحملاتها الأمنية في أمهرا واروميا لم تفض الى بناء معادلة توازن جديدة، بل كرست صورة الدولة المأزومة، التي تتحرك بردود أفعال أكثر مما تنتج سياسات فاعلة. ومع غياب تصور سياسي متماسك، تتصاعد الارتدادات الداخلية ما يضعف المركز أكثر ويمنح افورقي هامش مناورة أوسع.
في هذه اللحظة المعقدة يصبح المشروع السياسي هو الغائب الأكبر. فلا “افورقي ” يملك تصوراً لبناء إقليمي مستقر ولا ” ابي احمد” قادر على انتاج دولة تتجاوز تراث الانقسامات العرقية. والنتيجة هي صراع مشاريع لا يهدف الى البناء بل الى المنع والتفكيك ضمن فضاء إقليمي مأزوم، لا يقبل بقاء مركز قوي ولا يسمح ببروز توازنات جديدة.
التدخلات الخارجية وتعقيد المشهد الإقليمي
أما خارطة التدخلات الخارجية فتضيف على المشهد طبقات جديدة من التعقيد. فبينما تقرأ القاهرة الانهيار الاثيوبي كفرصة لإعادة التفاوض في ملف سد النهضة، تتوجس ايضاً من فوضى إقليمية تفقدها شريكاً تفاوضياً وتخلق فراغاً استراتيجياً مفتوحاً. ابوظبي من جهتها تدير نفوذها عبر تحالفات عابرة للدولة، وتحتفظ بخيوط مع ا”افورقي” و”ابي احمد معاً لضمان مصالحها البحرية والاقتصادية. انقرا من جهتها تستثمر في لحظة الانهيار لتوسيع حضورها في السودان والصومال. اما الغرب فيقف على الحافة بحذر دون تدخل مراقباً خطر تحول اثيوبيا الى “بوسنة ” القرن الإفريقي ” مع ما يحمله ذلك من موجات لجوء وفوضى مسلحة وفراغات استراتيجية ستملؤها قوة منافسة مثل الصين وروسيا.
وفي قلب هذا المشهد يقف السودان كدولة – حدود تتآكل من الداخل وتُستثمر كفضاء عبور للصراع. شرقه المفتوح وتداخله الاثني مع اثيوبيا جعله ساحة خلفية للنزاع الارتري – الاثيوبي دون امتلاك سلطة قادرة على احتوائه او حتى تنظيم تداعياته. السودان هنا لم يعد محايداً بل بات ساحة مأزومة تشتبك مع المعركة دون وعي ذاتي بدوره ولا قدرة لديه على تحييد أراضيه.
بهذا يتشكل مشهد إقليمي هش تحكمه شبكات لا دولاً وتحالفات ظرفية لا تنتج استقراراً. واذا ما انفجر الصراع فعلاً فلن يكون بين دولتين فقط، بل بين مشاريع متضادة تنحت خرائط جديدة على انقاض السيادة والمؤسسات.
نهاية الدولة أم إعادة تشكيلها
وفي هذا السياق لم يعد التحدي الرئيسي هو تفادي اندلاع الحرب فحسب، بل تجاوز ذلك الى طرح سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن إعادة تعريف الدولة في فضاء تتآكل فيه ركائز السيادة وتتبدد فيه مفاهيم الشرعية الوطنية؟
فالدولة لم تعد مفهوماً مستقراً بل كياناً في طو ر التشظي يُعاد مركزه من أطراف تعاني من نزاعات انفصالية ورؤى متضاربة لمعنى الانتماء والسيادة. في ظل هذا التفكك تصبح مسألة “من يملك القرار ” مفتوحة على فراغات تتنازعها مراكز قوى محلية وعابرة للحدود وسط جغرافيا مسيّسة تُستغل فيها الطموحات الإقليمية كأداة لإعادة توزيع النفوذ.
من هنا تبرز الحاجة الى مقاربة سياسية جديدة تتجاوز منطق الهيمنة والمشاريع التفكيكية وتسعى الى بناء منظومة إقليمية قائمة على التوازن والاعتراف المتبادل وإرساء قواعد الاستقرار لا تنطلق من احتكار القوة بل من انتاج عقد سياسي قابل للاستمرار. هذه التفاعلات كلها تقود الى خلاصة سياسية أكثر عمقاً. فالمنطقة تقف أمام لحظة مفصلية تعيد تعريف مركزية الدولة وتفتح الباب امام تحولات بنيوية قد تنتج كيانات إثنية – سياسية تبحث عن اعتراف دولي او تحالفات امنية جديدة تتجاوز النماذج السابقة للحكم والسيادة، كما هو واقع في صومالاند ومحاولات قوات حميدتي المتمردة في غرب السودان لتشكيل واقع أمنى جديد بعيد عن الدولة السودانية.
انهيار مركز اثيوبيا لا يعني فقط نهاية مشروع آبي أحمد بل ربما نهاية مشروع اثيوبيا نفسها بوصفها دولة جامعة. ومع غياب بنية بديلة قادرة على احتواء هذا الانفجار، يدخل القرن الافريقي مرحلة إعادة رسم للخرائط، لا كنتاج تسوية دولية بل كنتيجة لتفكك داخلي يقوده الهامش لا المركز. في هذا السياق تصبح ارتريا فاعلاً ليس بوزنها بل بموقعها وقدرتها على تحريك معادلات ما بعد الدولة، وتتحول القوى الإقليمية من مراقبين الى متدخلين، وتُكتب خرائط جديدة للهُويات والمصالح بلا مرجعية ولا استقرار.
السيناريوهات المستقبلية : الحرب أم الإستنزاف
في ضوء هذا التصعيد المستمر تتعدد السيناريوهات المحتملة للمواجهة بين “اسمرا “و”اديس ابابا”. اول هذه السيناريوهات يتمثل في “الحرب بالوكالة “وهو النمط الأرجح في ظل الواقع الإقليمي الراهن. فقد اتجهت اسمرا الى تقديم دعم مباشر وغير مباشر لفصائل مسلحة اثيوبية مناهضة للمركز مثل قوات “فانو الأمهرية” و”جيش تحرير ارومو ” عبر قنوات لوجستية وإعلامية تنشط من مناطق حدودية وعبر شبكات الدعم العابر ومد جسور التواصل مع إقليم تقراي . هذا الشكل من التصعيد يحقق اهدافاً استراتيجية للنظام في اسمرا دون تكاليف الحرب المباشرة ويؤسس لحالة استنزاف مستمر تُنهك اثيوبيا المركز وتضعف قدرتها على بسط سيطرتها على الأطراف.
بالمقابل قد تلجأ اديس ابابا الى تحريك مجموعات تقرنية أو عفرية موالية للمركز من اجل احداث اضطرابات داخلية في الداخل الارتري او ارباك خطوط امدادها. النتيجة هي حالة توتر دائم على طول الحدود حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر بل استنزاف متبادل لا يحسم المواجهة بل يطيل امدها.
هذا الاستنزاف قد لا يكون كافياً خاصة إذا رأت أديس ابابا أن اسمرا قد تجاوزت الخطوط الحمراء عبر تدخل ميداني نوعي أو دعم عمليات نوعية تهدد استقرارها.
في هذه الحالة يبرز سيناريو “الضربة الاستباقية ” كخيار مطروح ضمن حسابات اديس ابابا. هذا السيناريو يقوم على تنفيذ عمليات عسكرية مركزة ومحدودة ضد اهاف تعتبرها اديس ابابا تهديدا مباشراً لأمنها القومي. غير ان هذا الخيار وإن ظهر جذاباً من الناحية العسكرية فهو يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبيرة، أبرزها انه يمنح النظام في اسمرا مبرراً للرد باسم الدفاع عن السادة الوطنية، وقد يؤدي الى توسع غير محسوب في دائرة المواجهة. كما ان الإقدام على هذه الخطوة قد يٌضعف موقع “ابي أحمد” دولياً خاصة في ظل التحديات التي تواجه شرعيته الداخلية والانقسامات المتصاعدة داخل الدولة الاثيوبية.
أما سيناريو الحرب الشاملة، فمع أنه مستبعداً ضمن حسابات الواقعية السياسية، إلا أن احتماله لا يمكن تجاهله بالكامل في ظل تشابك التهديدات وضبابية القرار السياسي وتصاعد الضغوط الداخلية على الطرفين.
اندلاع مواجهة تقليدية بين جيش النظامين قد يفتح جبهات متزامنة في تقراي وعفر واروميا ويضع الإقليم باسره على حافة الانفجار دون ان يمتلك أي من الطرفين القدرة الفعلية على إدارة الحرب او حسمها.
التكلفة العسكرية والاقتصادية لهذا السيناريو ستكون باهظة كما ان نتائجه لن تؤدي بالضرورة الى إعادة الاستقرار بل قد تسرع من وتيرة التفكك.
في المقابل هناك سيناريو”الإحتواء غير المستقر” وهو استمرار حالة التوتر المزمن دون انزلاق نحو الحرب المفتوحة. في هذا النموذج يجري استخدام الخطاب العدائي والتحركات العسكرية الرمزية والدعم الخفي للفصائل المسلحة كأدوات لإدارة الصراع بدلاً من حسمه.
يخدم هذا السيناريو أهداف كل من “ابي احمد” و”افورقي” على المستوى الداخلي. ابي احمد في اديس ابابا يُبرر من تعزيز قبضته الأمنية وأما “افورقي” في اسمرا يستخدمه كذريعة لمواصلة الانغلاق السلطوي داخل ارتريا. غير أن هذا النوع من الاستقرار الزائف يحمل في داخله عناصر تفجيره لأنه لا يُعالج أسباب الصراع بل يُعيد انتاجها في بنية العلاقة بين الطرفين.
ما يُرجح سيناريو دون آخر ليس فقط موازين القوى بل ايضاً طبيعة التحولات في البيئة الداخلية والخارجية. فكلما تصدعت السلطة المركزية في اديس ابابا واشتدت الضغوط الدولية والإقليمية زادت شهية اسمرا للتدخل. كما أن دخول أطراف إقليمية مثل السودان أو مصر او الإمارات بدوافع أمنية أو اقتصادية قد يُعيد تشكيل معادلات الردع والتصعيد. كذلك فإن تغير الموقف الدولي خصوصاً من قبل الولايات المتحدة الامريكية أو الاتحاد الأوربي تجاه سلوك النظامين قد يغير اتجاهات التحالفات ومستوى التدخل المحتمل.
خاتمة: بين تفكك المركز وصعود الهامش – نحو هندسة سياسية جديدة للقرن الإفريقي
في ختام القراءة التحليلية وفي ظل هذا المشهد الإقليمي المتفكك، لا يمكن اختزال التوتر القائم ين اسمرا وأديس ابابا باعتباره مجرد خلاف حدودي أو صدام مصالح آنية بين نظامين. ما نشهده اليوم هو انكشاف فجوة أعمق تتعلق بمصير الدولة نفسها بوصفها كياناً سياسياً مؤسسياً يحمل تصوراً جامعاً للمجتمع والسلطة والشرعية. فنحن أمام بيئة جيو سياسية تُعاد فيها صياغة الخرائط لا عبر المفاوضات أو الاتفاقات بل تُصاغ الخرائط من خلال الانهيارات وتمدد الفراغ وتراجع سلطة المركز. في هذا السياق لم تعد الخرائط ترسم بالحبر، بل تُرسم بالحرائق. كل خط حدودي مرشح لأن يتحول الى جبهة توتر واشتعال وكل مساحة لا تحكمها سلطة سيادية فعلية تصبح عرضة للتدخل والاختراق. الفراغ السيادي ذاته بات أحد النزاع ومصدراً لإنتاج ترتيبات سياسية بديلة.
في قلب هذا الفراغ لا يتحرك النظام الإرتري باعتباره نظاماً يبني مؤسساته ويسعى لتعزيز استقرار بلاده الداخلي أو الإقليمي بل يتحرك بين الشقوق كجهاز يعمل على تفكيك محيطه من الداخل. فالنظام لا يبحث عن التوازن بل يوظف تصدعات الإقليم لصالح مشروعه الذي يتغذى هشاشة الآخرين. لا يقدم نفسه كقوة استقرار بل كفاعل يُتقن هندسة الفوضى عبر اختراق الهُويات وزعزعة التوازنات وتفريغ الجغرافيا من ركائزها السيادية.
أما اثيوبيا فهي تواجه انهيارا تدريجياً لمركزها واحتداماً متصاعداً للهُويات المحلية. تعيش بين أطلال امبراطورية لم يتم تجاوزها وفدرالية لم تكتمل بنيتها ومستقبل بلا افق سياسي واضح. وفي خضم هذا الانقسام يفتقر النظام السياسي في اثيوبيا إلى أدوات إعادة انتاج شرعيته او ترميم العقد الاجتماعي الذي تفكك بفعل الحرب والانقسامات العرقية. ورغم التباين الظاهري بين مشروعي “افورقي” و”ابي احمد” إلا ان كليهما عاجز عن انتاج صيغة سياسية قابلة للاستمرار. “افورقي” يُراكم سلطته من خلال تفكيك الإقليم و”ابي احمد” يناور داخل نظام مأزوم دون قدرة على إصلاحه او تجاوزه.
هكذا يبدو القرن الإفريقي وكأنه يدخل مرحلة سياسية جديدة تتآكل فيها الدولة من الأطراف وتتراجع فيها سلطة المركز امام تنامي الفاعلين من خارج الدولة أو على هامشها. تتشكل خريطة بديلة لا تعترف بالحدود القائمة ولا تحترم قواعد السيادة وتفتح الباب أمام معادلات لا تستند الى القانون او التوازن بل الى الفراغ والتآكل والانكشاف. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في منع اندلاع الحرب بل في القدرة على تخيل صيغة سياسية جديدة تُعيد تعريف الدولة وتستند الى شرعية قادرة على الصمود في وجه هذا التآكل وتحويل الجغرافيا من ساحة صراع دائم الى حيز تفاوضي مستقر.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: متى تبدأ الحرب؟
بل هل تبقى هناك قدرة سياسية أو فكرية على تخيل السلام أصلاً؟
وهل توجد أي قوة قادرة على تجاوز الفوضى وإعادة تعريف الدولة بوصفها صيغة للعقد لا مجرد أداة للبقاء في السلطة أو هندسة الخرائط على مقاس القوة؟
المصادر ومراجع البحث
أولاً: مراجع نظرية لفهم بنية الدولة والصراع على المركز
- جان فرانسوا بايار (Jean-François Bayart)، العنوان: الدولة في أفريقيا: سياسة البطن، الناشر: لونغمان، 1993
- أليكس دي وال (Alex de Waal)، العنوان: السياسة الحقيقية في القرن الأفريقي: المال والحرب وتجارة السلطة، الناشر: بوليتي برس، 2015
ثانياً: دراسات إثنو-تاريخية عن إثيوبيا وتفكك المركز
- جون ماركاكيس (John Markakis)، العنوان: إثيوبيا: آخر جبهتين، الناشر: جيمس كاري، 2011
- جون يونغ (John Young)، العنوان: الثورة الفلاحية في إثيوبيا: جبهة تحرير شعب تيغراي 1975–1991، ▪ الناشر: مطبعة جامعة كامبريدج، 1997
ثالثاً: نظريات الهوية والشرعية والسرد السياسي
- بنديكت أندرسون (Benedict Anderson)، العنوان: الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل وانتشار القومية، الناشر: فيرسو، 1983
- ميشيل فوكو (Michel Foucault)، الإطار المرجعي: خطاب السلطة والمعرفة
رابعاً: تقارير تحليلية ووقائعية حديثة
- تقارير مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)
- الصراعات الإثيوبية–الإريترية (2022–2024) بما فيها دور أسياس أفورقي، اتفاق بريتوريا، وتداعيات الحرب في تيغراي.


