إعداد فريق مركز باب المندب
يصادف يوم 20 يونيو من كل عام يوم الشهداء في إرتريا، ذكرى عزيزة على قلوب الشعب الذي فقد فلذات اكباده أملا في الحرية والاستقلال. وقد دأبت الحكومة الإرترية على إحياء ذكرى هذا اليوم بفعاليات وطقوس، تشمل مسيرات الشموع في العاصمة أسمرا ومدن أخرى، ومراسم وضع أكاليل الزهور على قبور الشهداء من قِبل الرئيس أسياس أفورقي وكبار المسؤولين، ومشاركة شعبية من العسكريين والزعماء الدينيين والسفراء. وتشمل الأنشطة الاخرى عروضًا فنية وثقافية تُجسّد تضحيات الشهداء، وتوزيع مساعدات مالية على أسرهم، وحملات غرس الأشجار وتنظيف مقابر الشهداء. في هذه السانحة واستنادا الى ظاهرة الاحتفال بيوم الشهداء التي تصر عليها الحكومة الارترية وتوليها اهتماما مقدرا، نحاول ان نتعرف الى السياسات الاجتماعية والاقتصادية المتبعة في إريتريا ونحاول المقارنة بين الخطاب الرسمي بشأن تلك السياسات والواقع المرير الذي يعيش فيه الشعب الارتري.
لا تزال إرتريا من أكثر دول العالم غموضًا وانغلاقًا، إذ تحكمها حكومة شديدة المركزية بقيادة الرئيس إسياس أفورقي منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1991. ووفقًا لمؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2023 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود فان النظام الارتري يحتل المرتبة 179 من بين 180 دولة. كذلك تصنف منظمة العفو الدولية النظام الإريتري من بين أكثر الأنظمة قمعًا في العالم، وتستند السياسات الداخلية للبلاد إلى خطاب قومي يُمجّد التضحية والفداء، بينما يُخفي واقعًا معقدًا من القمع الاقتصادي والاجتماعي.
على الصعيد الاجتماعي، فان الحكومة الإرترية تحاول ان توهم المواطنين بانها تتبنى سياسات إنسانية ووطنية. وكابرز مثال للتدليل على ذلك هو برنامج دعم أسر الشهداء، الذي خصصت له ميزانية رسمية معلنة تقدر بستة مليارات نقفة سنويًا (ما يعادل حوالي 400 مليون دولار أمريكي بسعر الصرف الرسمي). إلا أن تقريرًا اصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش في يناير 2024 يفضح التلاعب الذي يحدث في هذا المبلغ ويقول التقرير ان معظم هذه الأموال توجه إلى مشاريع عسكرية وحسابات خاصة لكبار المسؤولين، بينما القيمة الفعلية للدعم الذي يقدم للأسر لا تتجاوز 10% من المبلغ المعلن، وتتلقى الاسرة الواحدة مبلغ 500 نقفة شهريا (10 دولار تقريبا)، حسب تقرير معهد الدراسات الامنية الافريقي ، (ISS Africa, 2023). ورغم ضألة المبلغ فان هيومن رايتس وتش ذكرت في تقريرها الصادر عام 2022 ان توزيعه يتم فيه تمييز سياسي حيث تحصل الاسر الموالية على دعم اكبر من بقية اسر الشهداء غير المنضوين في الجبهة الشعبية (HRW, 2022). وهذه النسبة الضئيلة التي تصل الى أسر الشهداء غالبا ما تأتي من تبرعات القطاعات الحكومية والفئات الحزبية للجبهة الشعبية المتواجدة خارج ارتريا، ويتم الاعلان عن تبرعاتهم في وسائل الاعلام المملوكة للدولة.
اذا نظرنا الى الخدمة الوطنية الإلزامية كمحدد اخر لفهم السياسات الاجتماعية للنظام الارتري، فانه يمكن القول بان هذه الخدمة تشكل أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل. فبينما تدعي الحكومة ان الخدمة الوطنية هي برنامج وطني مدته 18 شهراً، تصدمك التقارير الواردة من الجنود الفارين من الخدمة وتلك الصادرة من منظمات دولية معنية بالرصد والمتابعة، مثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، حيث ذكرت في تقريرها الصادر عام 2023 أن 72% من المجندين يبقون في الخدمة لأكثر من خمس سنوات، و38% منهم يبقون لأكثر من عشر سنوات. ويذكر التقرير نفسه في مكان أخر أن 12% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و35 عاماً يفرون من البلاد سنوياً هرباً من هذه الخدمة، وهو أعلى معدل لجوء للفرد في العالم مقارنة بعدد السكان. ويذكر نفس التقرير أن 40% من الأسر لديها فرد واحد على الأقل هرب من الخدمة الوطنية.
على الصعيد الاقتصادي، فان ما تمارسه الحكومة من التضليل لا يقل عن ذلك الذي مارسته على الصعيد الاجتماعي، حيث تكشف البيانات المتاحة رغم قلتها عن تناقضات حرجة بين ما تدعيه الحكومة والواقع المعاش. اعلنت الحكومة الارترية ممثلة في وزارة المالية في عام 2022 عن نمو اقتصادي بلغ 3.5%، بينما أشار تقرير غير منشور لصندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الارتري يعاني من انكماش فعلي بلغت نسبته 1.2%، وان معدل التضخم السنوي اقترب من 32%، هذا التقرير حصلت عليه صحيفة إرتريا توداي في يوليو 2023. من جانب أخر تشير الحكومة الارترية الى ان مساهمة قطاع التعدين بلغت 45% من الناتج المحلي الإجمالي، هذا الادعاء قد يكون مقبولا لو كانت عقود الاستخراج التي اعطيت للشركات الاجنبية بمناقصات عامة، وعلى العكس من ذلك تماما ووفقا لتقرير غلوبال ويتنس لعام 2022، فقد مُنحت 85% من عقود الاستخراج دون مناقصات عامة. المفارقة الاكبر بخصوص الاقتصاد هو ما ذكره تقرير وحدة الاستخبارات الاقتصادية لعام 2023, حيث ذكر أن الفساد في دولة ارتريا ممنهج وان 92% من القرارات الاقتصادية تتخذها القيادات العسكرية.
يُمثل الاقتصاد غير الرسمي حاليًا ما يُقدر بنحو 65% من إجمالي النشاط الاقتصادي، وفقًا لدراسة أجراها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) عام 2023. وتتدفق تحويلات المغتربين، المُقدرة بنحو 2.5 مليار دولار سنويًا (ما يعادل 50% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي)، عبر قنوات غير رسمية بسبب انهيار النظام المصرفي. ورغم أن هذه الأموال ضرورية لبقاء 60% من الأسر الإرترية (وفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة إريتريا فوكس عام 2023)، إلا أنها لا تودع في الحسابات الرسمية ولا تُسهم في التنمية الاقتصادية الحقيقية.
تظهر الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع جليةً في مجال الخدمات الأساسية. اعلنت الحكومة ان التأمين الصحي الشامل قد دخل تحت مظلته كل الشعب، بينما افادت منظمة الصحة العالمية بأن 70% من المراكز الصحية تفتقر إلى الأدوية الأساسية، وأشارت الى معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة هو الاعلى في المنطقة الذي بلغ 48 حالة وفاة لكل ألف ولادة. أما في مجال التعليم، فقد ذكرت اليونيسف بأن 45% من الأطفال في المناطق الريفية لا يُكملون تعليمهم الابتدائي، في مفارقة واضحة لما تقوله الحكومة بأن معدل معرفة القراءة والكتابة قد بلغ نسبة 80%.
ما يمكن ان نشير اليه في الختام هو ان هنالك ازمات هيكلية عميقة في النموذج الارتري لإدارة السياسات الاجتماعية والاقتصادية. وعلى الرغم من صعوبة الحصول على الأرقام والإحصاءات، فان النادر منها والذي يصعب التحقق منه، قد رسمت صورة لاقتصاد يعتمد بشكل كبير على القطاع غير الرسمي، وان هناك مجتمع يعاني من انهيار الخدمات الأساسية. وتتناقض هذه الحقائق بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يروج لصورة دولة مكتفية ذاتيًا ومستقرة. ويتطلب الخروج من هذه الأزمة إصلاحات جذرية، تبدأ بالشفافية في إدارة الموارد واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين.
مصادر للتحقق
- التقرير الكامل على موقع EIU: https://www.eiu.com/n/
- تحليل معهد الدراسات الأمنية : https://issafrica.org/
- منظمة الصحة العالمية (WHO 2023)
- غلوبال ويتنس (تقرير التعدين في إريتريا 2021)
- وحدة الاستخبارات الاقتصادية (EIU Democracy Index 2023)
- إرتريا فوكس (وثائق مسربة 2022)
- شبكة “إرتريا اليوم” (تحليلات اقتصادية 2023)
- رويترز (تحقيق عن التعدين 2022)
- وثائق الأمم المتحدة : https://undocs.org/




شكرا على العمل الجاد ومفيد