مقالات رأي

حضور إسياس أفورقي “القداس” هل هو توبة دينية أم نوبة سياسية؟

بقلم الاستاذ: علي محمد محمود

بقلم الاستاذ: علي محمد محمود – 5 مايو 2025م

طرح سؤال في أحد المواقع الإلكترونية “هل تعتقد أن إسياس أفورقي يؤمن بالله”؟

كانت الإجابات مختلفة ومتنوعة، إلا أن أحد الردود استوقفني قال: “من خلال تصرفاته يبدو أنه يعتقد أنه هو الله ناهيك عن الإيمان بوجود إله(1)”

الشعب الإرتري بصفة عامة شعب متدين بغض النظر عن الدين الذي يعتنقه، وكون الرئيس يكون متدينا يعد شيئا مقبولا إذا تجنب الطائفية التي تعني الانحياز الكامل. وعدد من الرؤساء كانوا متدينين مثل كارتر، وكان يطلق على أنور السادات الرئيس المؤمن، وهناك دول  تشترط متطلبات دينية للملوك والرؤساء الذين يشغلون المنصب الأول في الدول، مثل خادم الحرمين، وإسرائيل، ومن هؤلاء المملكة المتحدة والنرويج والسويد وكندا ولم يمنعهم ذلك من تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والأديان الأخرى(2)

لا يوجد دين رسمي للدولة الإرترية، وتعترف الدولة بالإسلام والمسيحية (كنيسة التوحيد الأرثوذكسية، التي تنتمي إلى الكنيسة القبطية والأرثوذكسية الشرقية، والكنيسة الكاثوليكية التي تنتمي إلى الكاثوليكية الرومانية العالمية، والكنيسة الإنجيلية التي تنتمي إلى الاتحاد اللوثري العالمي.(3)

ووفقا للمرسوم رقم 73/1995، الذي ينظم أنشطة الأديان والمؤسسات الدينية في إرتريا، الصادر في 15 يوليو/تموز 1995. يشير إلى أنه يجب ألا تتدخل الدولة في شأن الدين الذي اعترفت به، كما في المادة 1  من هذا الإعلان(1) وتنص على عدم تدخل الأديان في السياسة ولا تتدخل الدولة في شأن الدين (4) ولكن الحكومة خرقت هذا المبدأ مع المسلمين في بداية الأمر فاختارت “المفتي” الذي يمثل المسلمين دون أن تستشير علماء المسلمين الإرتريين، أما الكنيسة الأرثذوكسية التي فصلت عن الكنيسة الإثيوبية، بعد استقلال إرتريا، وبعد مطالبة الحكومة الإرترية، ورغبة المجمع الكنسي الإرتري اتفق البطريرك الإثيوبي بولس، ورئيس الأساقفة الإرتريين فيليبوس من أسمرا في أوائل سبتمبر 1993م  على فصل كنيستيهما، ومن جانبه ونزولا عند رغبة الأطراف استجاب المجمع المقدس القبطي على استقلال الكنيسة الإرترية في 28 سبتمبر 1993م (5) وفي أبريل 1998م أجرت االكنيسة الإرترية انتخابات اختير فيها رئيس الأساقفة الإرتريين “فيليبوس” كأول بطريرك للكنيسة الأرثوذكسية الإرترية. ونصب بطريركًا من قبل البابا شنودة الثالث في القاهرة في 8 مايو 1998م (6). ولكن الحكومة ما لبثت أن لاحقت الكنيسة الأرثذوكسية أيضا لاخضاعها، وإدخالها بيت الطاعة، إلا أن ما يحسب للبطريرك القوي الأب أنطنيوس الذي انتخب كبطريرك للكنيسة وفق قوانين الكنيسة في 2004م كثالث بطريرك للكنيسة الارترية رفض تدخل الحكومة في شأن الكنيسة، فأقدمت الحكومة على عزله في 2006م، وأيضا رفض التنازل متمسكا بحقه القانوني والديني، فوضعته الحكومة تحت قيد الإقامة الجبرية إلى أن مات في 9 فبراير2022 عن عمر يناهز 94 عامًا. (7) وحاولت الحكومة إقناع البابا شنودة لاعتماد خلفه الذي عينته الحكومة، ولكن البابا شنوده رفض ذلك مستندا على المادة 11 من البرتوكول الموقع في مايو 1998م بين الكنيسة القبطية والكنيسة الإرترية  ” تلتزم كلتا الكنيستين بعدم عزل أو استبدال أي بطريرك أو أسقف من كنيستها في حياته، إلا إذا قرر المجمع المقدس لكنيسته عزله، بطريقة قانونية”.(8).

صلوات تنصيب بطريرك إريتريا الجديد بمشاركة وفد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
نصيب بطريرك إريتريا الجديد

وظل الأمر معلقا إلى أن رضخت حكومة إسياس أفورقي لإجراء انتخابات في 9 ديسمبر 2024م تنافس على هذا الكرسي 3 مرشحين من الأساقفة، وشارك في التصويت 85 ناخبًا بحضورشخصي، بينما صوّت 9 ناخبين من الخارج افتراضيا من الذين يحق لهم التصويت. بحضور مشهود من الكنائس الشرقية للإشراف على الانتخابات، وحضور كثيف للحكومة الإرترية وعلى رأسها إسياس أفورقي، ووفقا لذلك نصب الأب باسيليوس في 26 يناير 2025م بطريركا سادسا للأرثذوكسية الإرترية (9) والجديد أيضا أن إسياس شخصيا قدم فروض الطاعة والولاء للأب باسيليوس حيث أخذ الدعوات والبركات والبس ثوب الكنيسة على ملأ من الناس، ولا عتب على ذلك فهو مسيحي ومن واجبه أن يكون له التزامه الديني.

ولكن السؤال، ما هي الأسباب والأهداف التي دفعت اسياس للترحيب بالكنيسة الأرثذوكسية أخيرا؟ بعد أن ظل يعمل على تقويض نفوذ المؤسسات الدينية، وفصل القادة الدينيين عن عامة الناس، ونزع الشرعية عنهم في نظر أتباعهم (10) ومن أبرز مظاهر التضييق على الكنيسة الأرثذوكسية أن الحكومة قامت في 27 مايو 2007م بتعيين بطريرك جديد تعسفيًا متجاوزة القانون، وعرف الكنيسة، وفرض التجنيد الإلزامي على بعض طلابها فضلا عن التدخل في شؤونها. كما ضيق على الإسلام في عدة جوانب لسنا بصدد ذكرها في هذا المقال، وحاصر أيضا الكنيسة الكاثوليكية التي صادرت منها الحكومة حوالي 29 عيادة ومشفى من مرافقها،  كانت تقدم خدمات لسكان الريف والفقراء، وأممت عددا من مدارسها، وقد أصدرت الكنيسة الكاثوليكية بيانات في ذلك، تندد فيه بهذا الاعتداء، هذا فضلا عن مصادرة كنائس للمسيحيين من المذاهب غير المعترف بها، وقد وثّقت منظمة العفو الدولية 45 حادثة اضطهاد ديني منفصلة شملت إغلاق 36 كنيسة على الأقل.(11) كما أن التقرير السنوي الأمريكي للحريات الدينية على مدار أعوام متتالية يصنف إرتريا ضمن أسوأ الدول المنتهكة للحريات الدينية، وتُصنّف منظمة “الأبواب المفتوحة  ” اضطهاد أسياس أفورقي للمسيحيين في إرتريا سادس أسوأ اضطهاد في العالم.(12)

والإجابة عن سؤال ما هي دوافع إسياس أفورقي أن يسمح بانتخابات الكنيسة بعد أن ظل يرفضها فضلا عن هذه المشاركة العالمية الواسعة، والحضور الكثيف بكل حكومته، ثم مباركة الكنيسة له وتقديم طقوس الإلتزام، هل هي توبة وعودة إلى التدين بعد أن شعر بأنه على شفا القبر؟ أم أنه يريد أن يظهر إرتريا كدولة مسيحية أرثوذكسية؟ أم أنه تقليد للرئيس الروسي بوتن الذي يأخذ البركات من الكنيسة نفسها؟ أم أن الأمر لا يتعدى التوظيف السياسي؟

مع أن كل ما سبق ذكره وارد من حيث سياق الأحداث، ولكن في رأينا أن التوظيف السياسي هو الغالب في مسعاه الأخير وفقا للمعطيات التالية:

  • كما يقول ستيفن إليس وجيري هار “في عددٍ كبيرٍ من البلدان الأفريقية التي انهارت فيها المؤسسات السياسية إلى حدٍّ كبير، يمكن اعتبار الخطاب الديني محاولةً للإصلاح من خلال إعادة تنظيم السلطة” (13)
  • يشعر أسياس أفورقي أن نظامه يواجه حالة غير مسبوقة لم يكن يشعر بها من قبل، من ذلك أن جيل الثورة الذين يدينون له شخصيا بالولاء، وحافظوا على النظام وفاء لدماء وأشلاء إخوانهم، لم يبق منهم إلا القليل، وظهر جيل جديد ليس مثقلا بذلك الماضي، وتهتز قناعاته بما يعتقده إسياس ثوابت، نتيجة التنوير المستمر من خلال تواصله بالإعلام الحديث الموجه أولا، وبحكم انسداد الأفق الذي يتناقض مع طموح هؤلاء الشباب، ومقارنة بلدهم ببلدان أخرى ثانيا.
  • تعتبر الكنيسة الأرثذوكسية كنيسة عريقة في إرتريا كما يذكر عثمان سبي وأن المسيحية دخلت إرتريا قبل 410 م (14) وأن أتباع الكنيسة الأرثذوكسية يمثلون حوالي 80% من المسيحيين الإرتريين، ففي ظل اتساع رقعة المعارضة يحاول إسياس كسب تعاطف المتدينين الأرثذوكس وبخاصة رجال الدين حتى يكونوا له عونا في توجيه العامة، عبر تحشيد المشاعر الدينية مقابل منافسة المسلمين والكنائس الأخرى في إرتريا.
  • رسالة للمنظمات الحقوقية والدول بأنه يرعى ويدعم الحريات الدينية وانه ليس ضد الكنيسة.
  • في ظل المواجهة بين إسياس أفورقي وآبي أحمد الذي ينتمي إلى الطائفة الخمسينية البروتستانتية لا بد أن يعمل إسياس على تحزيب المخالف الديني حتى يتقوى به، ولأن الدين أحد العوامل التي تجعل الإنسان يندفع ويتعصب إذا لم يضبط بمقاصد الدين الأصلية.
  • بما أن إسياس يعمل على تطويق آبي أحمد وكسب التجراي والأمهرة، فإن دور الكنيسة الأرثذوكسية مهم جدا في ذلك، لأن تأثيرها في القوميتين عميق، وهي أفضل من يتوسط بين الأمهرا والتجراي لحل اشكالياتهم أو تأجيلها، كما أن قادة الكنيسة الأرثذوكسية يعتقدون أن آبي أحمد كان وراء تمزيق شمل الكنيسة في إثيوبيا، وهو من أضعف دورها فهناك إذن ثأر.
  • احتواء الكنيسة لأن وجودها في صف إسياس يعينه على إقناع النخب المؤمنة في البلدان الأخرى سواء من الشتات الإرتري أم غيرهم وتضفي إلى نظامه المزيد من الشرعية.
  • وكسبا لود الكنيسة فقد وجه مؤخرا بطريقة سرية، إعفاء طلاب المدارس الأرثذوكسية من التجنيد الإلزامي.
  • ظل إسياس يتلاعب بالتناقضات الدينية، فعندما كان في مواجهة السودان، أو في انقلاب 2013م حشد المسيحيين وكأنه يقول لهم أنتم المستهدفين، وعندما فتح الحرب على التجراي حاول إقناع المسلمين في الجيش بأنهم الوطنيون والحافظون للحدود والسيادة.
  • إسياس لايؤمن بدخول الجنة، ولكنه حريص أن يبقى على رأس السلطة، وأن يظل الفاعل والمؤثر الأول في منطقة القرن الإفريقي برمتها، وأن كل من ينازعه هذه المكانة، يجب أن يدحر، أو يأتي صاغرا كما حدث مع التجراي، وفي سبيل ذلك لا يتورع من استخدام كل الأسلحة ولا يبالي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  https://www.reddit.com/r/

  (2) https://www.pewresearch.org/

 (3) العلاقة المضطربة بين الدولة والدين في إرتريا دانيال  ميكونين وسلام كدان https://www.researchgate.net/

( 4) المرجع السابق

( 5) الكنائس المسيحية الشرقية بقلم رونالد روبرسون https://cnewa.org/

(6) المصدر السابق

(7)https://humanrightscommission.house.gov
(8) : www.copticpope.org

(9)  https://english.eritreantewahdo.org)

(10) https://www.carnegiecouncil.org/

(11)https://aefjn.org/

(12)  في مقال له المؤلف: البروفيسور توني ماجانافي 13 نوفمبر 2021م https://blog.ethiopianeurosurgery.com/

(13) الدين والسياسة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى المؤلف(ون): ستيفن إليس وجيري تير هار: مجلة الدراسات الأفريقية الحديثة، المجلد 36، العدد 2 (يونيو 1998)، ص 175-201 https://www.african.cam.ac.uk/ )

(14) صفحة 33 تاريخ ارتريا عثمان صالح سبي

Author

  • صالون باب المندب هو منصة تفاعلية تابعة لمركز باب المندب للأبحاث والدراسات، تهدف إلى إثراء الحوارات الفكرية والسياسية والاجتماعية بين الخبراء والنخب والشباب في منطقة القرن الأفريقي.

Admin

صالون باب المندب هو منصة تفاعلية تابعة لمركز باب المندب للأبحاث والدراسات، تهدف إلى إثراء الحوارات الفكرية والسياسية والاجتماعية بين الخبراء والنخب والشباب في منطقة القرن الأفريقي.

زر الذهاب إلى الأعلى