تحليلاتدراسات

قراءة في مسارات الفكر السياسي الإرتري: من خنادق الثورة إلى ازمة الدولة

بقلم الاستاذ: ابراهيم قارو

تحليل نقدي لمسار التأسيس ومآلاته

توطئة

يبدأ المسار التاريخي للفكر السياسي الإرتري من مقاومة الاستعمار متقاطعاً مع تحولات عميقة في الوعي الجمعي، ويستمر حتى الوصول إلى حالة الانسداد الراهنة في مشروع بناء الدولة الوطنية. غير أن هذا الفكر وُلد في ظروف استثنائية طارئة، وتكوّن في بيئة تعبوية اختزلت الفعل السياسي في الشعارات وربطت مصدر الشرعية باستخدام السلاح واحتكار القوة. ورغم ما وفره هذا المنحى من زخم تعبوي خلال مرحلة الكفاح المسلح، إلا أنه فشل في التطور ليُشّكل قاعدة مدنية تؤسس لدولة حديثة ترتكز على سيادة القانون والحكم المؤسسي والمواطنة المتساوية.

حتى بعد الاستقلال بقي هذا الفكر أسيراً لمنطق الثورة تحكمه عقلية الهيمنة لا التعاقد وبدلًا من أن تنتج السلطة الحاكمة نظاماً سياسياً يستوعب التعدد والتنوع يرتكز على شرعية دستورية أعادت إنتاج آليات السيطرة ذاتها. وهكذا ترسّخ الانفصال بين مشروع التحرير والمشروع الوطني وبين الخطاب السياسي والواقع المؤسسي ما يفسر استمرار الأزمات البنيوية التي تعاني منها الدولة الإرترية حتى اليوم.

وفي الوقت الذي سعت فيه حركات تحررية مجاورة في اثيوبيا وجنوب السودان على سبيل المثال لا الحصر الى إعادة بناء شرعيتها ضمن أطر دستورية ومجتمعية جديدة، ظلت التجربة الإرترية جامدة، رافضة للانتقال الديمقراطي والانفتاح السياسي. وقد ساهم هذا الجمود في تعميق الشلل المؤسسي وأبقى الدولة رهينة لحكم فردي معزول عن الإرادة الشعبية.

لا تكمن أهمية هذا التحليل في استذكار المحطات التاريخية بل في مساءلة بنية الفكر السياسي الإرتري ذاته:

  • كيف تشكّل؟
  • ولماذا تعطّل؟
  •  وما الذي يمنعه من أن يتحول إلى أداة لإصلاح منظومة الحكم؟

إنها محاولة لإعادة تفكيك العلاقة بين الثورة والسلطة، وتشخيص الخلل في علاقة الدولة بالمجتمع، بهدف إعادة تعريف الشرعية السياسية على أسس جديدة، تتجاوز لحظة الثورة، وتستجيب لاستحقاقات الدولة الحديثة ومتطلباتها.

ومن هذه الزاوية، يشكّل هذا التحليل مدخلًا لفهم جذور الأزمة الراهنة، ومنصة للتفكير في بدائل مستقبلية. وهو يمهد الطريق لعقد اجتماعي جديد، يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويضع حجر الأساس لتحول ديمقراطي حقيقي،  يعالج مسببات الانهيار، ويؤسس لواقع سياسي مختلف ومأمول.

طبيعة الفكر السياسي في مرحلة الثورة: جدلية التحرر وبناء الشرعية

شكّل الفكر السياسي الإرتري، خلال فترة الكفاح المسلح ضد الاستعمار الإثيوبي عن لحظة استثنائية من الوعي التاريخي المقاوم، حيث ارتبطت إرادة التحرر الوطني بحلم بناء هوية سياسية متكاملة. وقد تأسست هذه الفكر على أسطورة التحرير كمصدر وحيد للشرعية، يقدم الفعل الثوري كقاعدة لشرعية القيادة، ومبررًا لاحتكار القرار السياسي. ومن هنا نشأ خطاب سياسي لا يعترف بتعدد المرجعيات، بل ينزع نحو توحيد الوعي الوطني تحت سقف تنظيمي واحد، ترى فيه الجبهة المقاتلة تجسيداً لمصير الوطن.

بدأت هذه “الأسطورة التحريرية” داخل جبهة التحرير الإرترية ثم تطورت لاحقاً داخل الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا -الحاكمة حاليا. وفي هذا السياق اتخذ المشروع السياسي شكلاً شموليًا تجاوز التنوع الثقافي والديني والسياسي باسم “الوحدة الوطنية”. ورغم أن هذه الوحدة وإن بدت في ظاهرها هدفاً سامياً، إلا أنها تحققت عبر آليات تنظيمية صارمة قائمة على السلطة المركزية، وتهميش التعددية، مما أفرز نموذجاً سياسياً قائماً على الانضباط الأيديولوجي لا على التوافق الوطني.

ويمكن القول إن الفكر السياسي آنذاك كان أقرب إلى “فكر تعبئة” لا “فكر تأسيس” حيث كانت مهمته تحفيز الجماهير على النضال، والتنسيق تحت راية التنظيم، بدلاً من أن يكون أداة لبناء مشروع سياسي ديمقراطي. وقد ساعدت الإيديولوجيات العابرة للحدود -وخاصة الماركسية اللينينية -في تشكيل هذه الفكرة، ولكنها بطريقة انتقائية؛ حيث تم توظيفها لدعم اتخاذ القرار المركزي فقط ، دون تبني مفاهيم أساسية من صميم الفكر الذي تم تبنيه، مثل الصراع الطبقي أو سلطة المجالس الشعبية كما في بعض تجارب التحرر الأخرى.

وفي هذا الإطار ، تعززت عقلية الثورة الدائمة التي وظّفت استمرارية الصراع المسلح لإسكات الأصوات المختلفة، وتجريم التباين ، واحتكار الحقيقة والمصير من قبل التنظيم ذاته. وأعيد تعريف المفهوم الوطني من خلال رؤية ترى في التنظيم الكبير الممثل الوحيد للشعب، وفي قيادته التجسيد النهائي للإرادة الجمعية. وهو ما أعاق نشوء تعددية سياسية حقيقية، أو تطور مبكر لمجتمع مدني مستقل.

ولم تكن الفكرة السياسية في هذه المرحلة مجرد موقف جذري من الاستعمار، بل كانت ذات بنية مغلقة، زرعت بذور الاستبداد السياسي في تربة الثورة ذاتها. فالانضباط الثوري رغم ضرورته في السياق العسكري، تحول لاحقاً إلى معيار للحكم ينظّم العلاقة بين التنظيم والمجتمع، وترك عواقب وخيمة في مرحلة ما بعد الاستقلال حيث أصبحت الفكرة أداة للضبط والسيطرة بدلًا من أن تكون وسيلة للحوار الوطني.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة تفكيك هذه المرحلة من الفكر السياسي الإرتري – ليس فقط كحلقة بطولية في تاريخ التحرر، بل كأساس لخطاب سياسي احتكر التأويل والمشروعية، وأنتج في جوهره منطق الإقصاء والاحتكار، وأسّس لفهم  لدولة  بوصفها امتداداً للتنظيم لا كعقد اجتماعي. فالتاريخ لا يُستدعى فقط للاحتفاء به،  بل للفهم والنقد أيضاً، ولهذا فإن نقد الفكرة السياسية الثورية ضروري، لفهم اختلالات المرحلة الانتقالية التي أعقبتها.

 أزمة الفكر السياسي بعد الاستقلال: مأزق الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية

كان ينبغي لحظة التحرر الوطني في عام 1991 أن تمثل – من الناحيتين التاريخية والسياسية – نقطة انعطاف نحو ميلاد مشروع وطني جديد، يقوم على عقد سياسي جامع، يُعيد تعريف الدولة بوصفها فضاءً مدنياً مشتركاً ، لا امتداداً لشرعية الثورة. غير أن ما حدث هو استمرارية في حكم طبقة أرستقراطية ثورية تعاملت مع الدولة كغنيمة ثورية، لا كوحدة مؤسسية تعاقدية. وهكذا ظلت الرؤية السياسية أسيرة الذهنية التنظيمية المغلقة، والمنطق الأحادي متمسكة بوحدة قائمة على السيطرة الثورية، بما أدى عملياً إلى تعطيل أي تحول فعلي نحو دولة حديثة.

وقد تجلى ذلك في عجز النخبة الثورية عن إنتاج مفهوم عقلاني ومؤسسي للدولة، قائم على مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، والمساواة في المواطنة. وبدلاً من تفكيك بنية القيادة المركزية لصالح مؤسسات دستورية منتخبة أُ عيد إنتاج جهاز سلطوي متمركز حول شخص الزعيم، الذي لم يكن قادراً على تجاوز ذهنية الماضي، أو التكيف مع الديناميكيات الداخلية والخارجية الجديدة. وتحولت أدوات الحكم إلى أجهزة رقابة أيديولوجية، وتحكم أمني بدلًا من وسائل الإدارة والتنمية.

لقد عجز الفكر السياسي الحاكم -المتجذر في السياق الثوري -في إعادة تعريف الشرعية ما بعد الثورة.  فقد ظلّ يستند على سردية التحرير، بوصفها المصدر الوحيد للمشروعية، مما أدى إلى تحنيط الذاكرة الثورية في بنية الدولة، وتحويلها إلى أداة تبريرية لاستمرار السلطة دون تطوير رؤية استشرافية، لمرحلة الدولة الوطنية. وبهذا دخل الفكر السياسي الإرتري في حالة من الجمود الأيديولوجي، تجلّى في غياب الخطاب العام، واحتكار الحقل السياسي ورفض التعددية الفكرية والتنظيمية، مما أنتج مناخاً سياسياً مغلقاً يُعاد فيه إنتاج السلطة للجهة نفسها لا تداولها.

و أخفقت هذه الفكرة في إدارة التنوع، و خلق رؤية وطنية جامعة، تعترف بالتعدد الإثني والديني والثقافي، واعتباره مصدر إثراء للدولة. وبدلاً من ذلك اعتُمدت سياسات الإقصاء والهويات الجزئية مما عمّق الانقسام الاجتماعي، وأضعف التماسك الداخلي. وأصبح التنوع مصدر قلق للحكم بدلاً من أن يكون قاعدة للتعددية الديمقراطية، وهو ما أعاد إنتاج فشل بنيوي في تصور الدولة لذاتها، وابتعد عن مشروع سياسي شامل لصالح انسجام مصطنع قائم على الإخضاع لا على التعاقد.

ولم يقتصر هذا الإخفاق على المستوى البنيوي فحسب، بل انعكس أيضاً في فشل المنظومة الحاكمة في صياغة مشروع وطني جامع، يحقق التوافق بين مكونات المجتمع الإرتري المختلفة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، يرتكز على العدالة والمساواة وتوزيع السلطة. إن إصرار الفكر السياسي القائم على استدعاء الشرعية الثورية كمصدر أوحد للسلطة أفضى إلى حالة من الانغلاق التاريخي، حيث أُعيد إنتاج الماضي كثابت لا يقبل المراجعة وأُقصي المستقبل كأفق سياسي ممكن.

أما على الصعيد الخارجي فقد أدى انغلاق الفكر السياسي إلى انكفاء الدولة على ذاتها، في قطيعة شبه تامة مع ديناميات التفاعل الإقليمي والدولي. و كتمظهر لهذا الانغلاق ، استعيض عن الدبلوماسية التفاعلية بمنطق العزلة السيادية وعن التفاوض بلغة العداء والشك. وقد ترتّب على هذا المسار، تآكل في موقع الدولة الاستراتيجي، وانحسار تأثيرها الإقليمي، وتزايد الضغوط الدولية دون أن يمتلك النظام خطاباً سياسياً مرناً، أو رؤية إصلاحية قادرة على تفكيك أزمته البنيوية.

والمحصلة فإن أزمة الفكر السياسي في إرتريا بعد الاستقلال، لا تكمن فقط في فشله في إدارة مرحلة ما بعد التحرير بل في عجزه البنيوي عن الانفصال عن الخطاب الثوري بوصفه مرجعية مطلقة، وإخفاقه في تحويل الشرعية من انتصار البندقية، إلى شرعية تستند إلى الإرادة الشعبية والمؤسسات المنتخبة والدستور. لقد ظل هذا الفكر يدور في حلقة مفرغة من التمويه والتبرير والإنكار، ما أدى إلى تجميد المسار السياسي وتعطيل إمكانيات الانتقال الديمقراطي، وتحويل الدولة إلى كيان أحادي يفتقر إلى التمثيل الشعبي الشامل بما يعكس التعددية.

المعارضة الإرترية :مأذق الفكرة وضعف البناء السياسي والتنظيمي في مواجهة تحديات التغيير

في ظل انسداد الأفق السياسي داخل بنية النظام الحاكم وتآكل شرعيته بفعل ممارساته القمعية وعجزه التنموي، تبرز فرصة تاريخية أمام قوى المعارضة المتأزمة – في الداخل والخارج – لإعادة تشكيل المشروع الوطني على أسس جديدة، تتجاوز منطق الثورة والسلطة، وتفتح آفاقاً نحو دولة مدنية ديمقراطية. غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل مرهوناً بقطيعة فكرية وتنظيمية حاسمة مع الذهنية الانفعالية، والتحول إلى نهج سياسي فاعل يستند إلى رؤية شاملة لبناء الدولة والمجتمع.

التحديات الكبرى أمام المعارضة ليس فقط في إسقاط السلطة الحاكمة، بل في مدى قدرتها على بلورة فكرة سياسية بديلة، تُلهم شرائح واسعة من الشعب، وتعكس تطلعاته نحو الحرية والعدالة والكرامة. فالهدف لم يعد تكرار خطاب ثوري تجاوزه الزمن، ولا إعادة إنتاج أخطاء الماضي، بل بناء مشروع سياسي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والتعددية السياسية والتنمية المستدامة.

وفي هذا السياق تبرز أزمة فهم سياسي عميقة، داخل بعض مكونات قوى المعارضة، التي تتجلى في قراءات قاصرة للاتفاقات المبرمة فيما بينها، إذ تُختزل هذه التفاهمات في صيغ تنظيمية أو إدارية تفتقر للروح السياسية، ما يفقدها بعدها الوطني، ويجعلها أدوات عابرة بلا أثر تاريخي. والمطلوب هو الارتقاء بهذه التفاهمات إلى مستوى التحالفات الاستراتيجية التي تؤسس لكتلة وطنية تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً.

كما أن ضعف الالتزام السياسي والتنظيمي، لا يزال من أبرز المعوقات، التي تشل الفعل الجماعي داخل المعارضة، حيث تعاني بعض التنظيمات من غياب الانضباط ووضوح المواقف، ما يفتح الباب أمام الانتهازية والتردد في تلبية استحقاقات الوحدة والاندماج. فالالتزام لا يعني فقط الانصياع للقرارات بل الاستعداد لتحمّل كلفة التوافق الوطني والانخراط الجاد مع متطلبات المرحلة.

إلى جانب ذلك تُظهر بعض المكونات، نزعة مفرطة نحو تغليب خصوصياتها التنظيمية على المصلحة الوطنية الشاملة، ما يخلق بيئة تنافس سلبي تتمحور حول “المكانة” بدلاً من التنافس على تحقيق أهداف التغيير. ولا يُمكن تجاوز هذا الانغلاق إلا ببناء وعي سياسي جديد يُعيد ترتيب الأولويات، ويُقدّم المصلحة العليا لعموم الشعب على الاعتبارات الفئوية.

وربما يكمن التحدي الأخطر أمام مسار الاندماج الوطني في الارتهان المتكرر لحسابات ضيقة، سواء تلك المتعلقة بالنفوذ التنظيمي، أو بالمكاسب المؤقتة. فمثل هذا المنطق يُجهض كل جهد جاد لبناء جبهة وطنية، ويكرّس لحالة الجمود، لهذا من الضروري إذًا ، ترسيخ ثقافة سياسية تتجاوز الحسابات الصغيرة. وعلى قوى التغيير ان تدرك أن القوة الحقيقية لأي تنظيم لا تُقاس باستقلاله الشكلي ، بل بقدرته على الإسهام في مشروع وطني أوسع.

كذلك وفي صلب هذه التحديات تظل الحاجة ملحّة إلى ممارسة نقد ذاتي صريح داخل المعارضة، ليس بغرض جلد الذات بل لتحريرها من جمود الماضي وأوهام التفوق الأخلاقي. فالمعارضة التي لا تُخضع نفسها للمساءلة، تصبح عرضة بإعادة إنتاج نفس أنماط الإقصاء التي خرجت لمناهضتها. وتجاوز أخطاء الماضي يتطلب الاعتراف والتصحيح المستمر وامتلاك البصيرة والرؤية الاستراتيجية.

كما أن الأزمة الإرترية بطبيعتها أزمة بنيوية، تتجذر في الفكرة قبل أن تتجلى في الممارسة السياسية، وبالتالي فإن معركة المعارضة هي في جوهرها معركة فكرية بالدرجة الأولى ً: معركة من أجل استعادة المجال العام من قبضة الاستبداد، ومعركة لإعادة تعريف مفهوم الوطن على أساس المواطنة، والانتماء المشترك. وهذا يستوجب انخراط النخب السياسية والمدنية، في صياغة سردية وطنية جديدة تحتضن التعدد الاجتماعي والثقافي وتملأ الفراغ الخطابي، الذي طالما استثمر فيه النظام لتبرير استمراره.

إن مشروع بناء الدولة لا يحتمل الارتداد، أو الخطاب الشعبوي، بل يتطلب شجاعة فكرية، وتواضعًا سياسيًا، وقدرة على إنتاج توافق وطني واسع يقدّم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية الضيقة. ولا بد من ربط المشروع الوطني البديل بسياقاته الإقليمية والدولية، من خلال خطاب عقلاني، ومسؤول يُعيد الدولة الأرترية في بيئتها الجيوسياسية، ويؤسس لعلاقات بينية دولية متوازنة قائمة على المصالح والاحترام المتبادل.

إن العزلة التي فرضها النظام، لم تكن مجرد موقف سياسي، بل جزء من مأساة وطنية أعمق، دفعت البلاد أثمانًا باهظة في مجالات التنمية والحقوق والهوية. ومع ذلك فإن اللحظة الراهنة – بكل أزماتها – تُمثل أيضًا فرصة تاريخية تتيح للمعارضة، أن تتحول من رديف للمعاناة، إلى حامل لمشروع وطني متكامل. غير هذا التحول لن يحقق هذا المشروع بالأماني أو الشعارات، بل يتطلب تأسيس أدوات معرفية وفكرية وتنظيمية، قادرة على إنتاج بديل مقنع وموثوق لديه القدرة على ملامسة الواقع.

التحولات الإقليمية وتأثيرها على معادلة الصراع السياسي في إرتريا: مقاربة فكرية سياسية

لم يعد الصراع السياسي في إرتريا معزولاً عن ديناميات الإقليم؛ بل أصبح جزءًا من التحولات البنيوية،  وتوازنات الواقع كإعادة تشكيل خرائط النفوذ والمصالح في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومن هذا المنطلق فإن أي قراءة جادة لمآلات الصراع الداخلي في إرتريا يجب أن تبدأ بفهم عميق للبيئة الإقليمية المحيطة، ولطبيعة التحولات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على موقع الدولة الإرترية، وعلى فرص التغيير فيها.

لقد شهدت المنطقة والإقليم خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحولات الكبرى، بدءًا من النزاعات والصراعات الجارية في كل من السودان وإثيوبيا، مروراً بتصاعد التنافس الأمني في البحر الأحمر، وصولاً إلى تطور طبيعة التدخلات الإقليمية والدولية، ولا سيما من قبل القوى الخليجية والآسيوية. هذه التحولات أعادت تشكيل أولويات الفاعلين الدوليين، وخلقت حالة من السيولة السياسية ضمن المشهد الإقليمي. وعلى الرغم من أنها منحت النظام الحاكم في إرتريا هامشاً معيناً للمناورة، إلا أنها أيضاً كشفت هشاشته وقيّدت خياراته.

لقد سعى نظام الحكم في إرتريا إلى توظيف هذه التغيرات من خلال تشكيل تحالفات ظرفية، قائمة على المصالح الأمنية، التي لم تكن قائمة على رؤية استراتيجية واضحة. وقد جعله ذلك لاعباً تابعاً في معادلات إقليمية معقدة، بدلًا من أن يكون فاعلاً مستقلاً وهو ما أدى إلى تقويض سيادته الفعلية، وربط مصيره ببقاء توازنات إقليمية غير مستقرة.

في المقابل لم تتمكن قوى المعارضة الإرترية من الاستفادة من هذه التحولات الإقليمية بشكل فعّال، سواء بسبب الضعف البنيوي في تنظيمها، أو لغياب رؤية سياسية ودبلوماسية ثابتة ومتجذرة، تتجاوز منطق التكيّف المؤقت نحو بلورة مصالح وطنية راسخة.

ومن منظور فكري تعكس هذه المعادلة أزمة عميقة في فهم النخبة الحاكمة لمفهوم الدولة كفاعل سياسي مستقل ضمن النظام الدولي، فقد تشكّلت علاقات النظام الخارجية على أساس رؤية أمنية مغلقة تنطلق من حماية النظام بدلًا من الدفاع عن مصالح الشعب، وتُسخّر الجغرافيا، لضمان بقاء السلطة لا للنهوض بها. ولعل أخطر ما في هذا النهج هو تحويل إرتريا من دولة ذات سيادة إلى ساحة مفتوحة للفاعلين الخارجيين، سواء عبر القواعد العسكرية أو التحالفات الاستخباراتية.

في هذا السياق تصبح مسؤولية المعارضة أكثر تعقيداً، ولكنها في الوقت ذاته أكثر أهمية إذ يقع على عاتقها إنتاج خطاب سياسي وفكري، يُعيد تعريف علاقة إرتريا بمحيطها، ويؤسس لمشروع وطني، يعيد تشكيل البلاد كفاعل إقليمي فاعل، لا كمجرد وحدة هامشية. ويتطلب ذلك تطوير حركة استراتيجية دبلوماسية وفكرية، تعيد ترتيب الأولويات في السياسة الخارجية، وتفتح آفاقاً جديدة للتحالفات على أساس حقوق الإنسان والتنمية والتعاون الإقليمي العادل.

فالتحولات الإقليمية، ليست مجرد سياق خارجي محايد، بل هي متغير حاسم في معادلة الصراع السياسي، قد تمثل فرصة إذا ما أُحسن فهمها واستثمارها، وقد تتحول إلى تهديد إذا بقي النظام والمعارضة معاً أسرى ردود الأفعال اللحظية. ومن هنا فإن تجديد الفكر السياسي الإرتري لا يكتمل إلا بقراءة دقيقة للمشهد الجيوسياسي الإقليمي من خلال عدسة استراتيجية، تتجاوز الأفق المحلي الضيق إلى رؤية شاملة لأدوار إرتريا الممكنة واللازمة في إقليم متغير ومضطرب.

 خاتمة: نحو تجديد العقل السياسي الإرتري وبناء مشروع وطني بديل

بالنظر الى حالة تطور الفكر السياسي الإرتري – من الحقبة الثورية إلى مرحلة ما بعد الاستقلال مروراً بإخفاقات النظام الحاكم وإشكالات المعارضة وصولاً إلى تداعيات التحولات الإقليمية – يكشف عن أزمة عميقة ومركبة في بنية العقل السياسي الإرتري.

وهي أزمة تتجاوز ممارسات النظام الحاكم لتصل إلى البنية الأيديولوجية التي تمنح الشرعية لاختلال العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالعقود الثلاثة الماضية لم تُنتج سوى أزمة سياسية عميقة، تفتقر إلى الشرعية في ظل غياب عقد اجتماعي، يحمي الحقوق، ويعزز الكرامة. لقد ظلت الدولة التي قامت على مشروع التحرير عاجزة عن التطور نحو مفهوم المواطنة، بل تحولت إلى منظومة مغلقة، من القوانين التي تُهيمن على المجتمع وتسلبه الفاعلية والتأثير.

هذا الواقع لا يمكن تغييره بمجرد تحسين أدوات الحكم؛ بل يتطلب تحولاً جذرياً يتجسد في مراجعة شاملة للفكر السياسي، وتحرير الوعي العام من رواسب الثقافة الشمولية، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس جديدة. إ ن المطلوب اليوم ليس مجرد بديل سياسي، بل رؤية بديلة، تعيد تعريف الشرعية على أساس المشاركة الشعبية، وتُقيم عقداً اجتماعياً جديداً لا يُفرض من أعلى، بل ينبثق من إرادة كل الشعب.

في هذا السياق تصبح المعارضة أمام امتحان تاريخي؛ فإما أن تظل رهينة التشتت والتكرار، أو أن ترتقي إلى مستوى التحدي، عبر مراجعة شاملة لخطابها وأدواتها، من خلال مراجعة شاملة للخطاب والأدوات. إن الحاجة اليوم ليست فقط للوحدة التنظيمية، بل التلاقي على رؤية وطنية جامعة، وصياغة مشروع مشترك يُعبر عن تطلعات الشعب، ويعيد الثقة بين القوى الوطنية والفاعلين الخارجيين في بديل عقلاني واقعي.

ومن هذه الزاوية يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لمآلات مستقبلية:

السيناريو الأول: بقاء الوضع على ما هو عليه حيث تعجز قوى التغيير عن إعادة بناء نفسها ويستغل النظام حالة التشرذم لتقديم إصلاحات شكلية تُطيل من عمره دون معالجة جوهر الأزمة.

السيناريو الثاني: انتفاضة مفاجئة من الداخل أو من قوى المعارضة في الخارج تدفع النظام إلى تغييرات ارتجالية لكن في غياب مؤسسات راسخة قد تؤدي إلى فوضى انتقالية غير منضبطة.

السيناريو الثالث (المأمول): نشوء توافق وطني بين القوى الفاعلة في الداخل والخارج تقوده نخبة واعية يُعيد إنتاج الشرعية والعقد الاجتماعي، ويؤسس لتحول سلمي ودستوري نحو دولة المواطنة والديمقراطية.

ولتحقيق السيناريو الثالث لا بد من توصيات عملية أبرزها:

  • ▀ مراجعة شجاعة لثقافة التحرير التقليدية وتطوير الفكر السياسي عبر إنتاج خطاب جديد يُعلي من قيم الحقوق والمسؤولية.
  • ▀ تجديد مشروعية النضال الوطني عبر السعي إلى صياغة دستور انتقالي توافقي يُعيد الاعتبار لإرادة الشعب.
  • ▀ تحديد ملامح عقد اجتماعي ضامن للتعددية والعدالة والمواطنة المتساوية دون تمييز.

 بقلم الاستاذ: ابراهيم قارو

Author

  • صالون باب المندب هو منصة تفاعلية تابعة لمركز باب المندب للأبحاث والدراسات، تهدف إلى إثراء الحوارات الفكرية والسياسية والاجتماعية بين الخبراء والنخب والشباب في منطقة القرن الأفريقي.

Admin

صالون باب المندب هو منصة تفاعلية تابعة لمركز باب المندب للأبحاث والدراسات، تهدف إلى إثراء الحوارات الفكرية والسياسية والاجتماعية بين الخبراء والنخب والشباب في منطقة القرن الأفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى