في لحظةٍ إقليمية تتراكم فيها مؤشرات الانفجار، جاءت زيارة الرئيس الإرتري أسياس أفورقي إلى القاهرة كإشارة مبكرة إلى تحرك دفاعي استباقي في مواجهة تحولات عميقة تهدد بتغيير موازين القوة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. بدأت الزيارة يوم الثلاثاء 22 أكتوبر 2025، بدعوة رسمية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن المقرر أن تستمر خمسة أيام، تحت عنوان بروتوكولي هو المشاركة في مراسم افتتاح المتحف المصري الكبير، لكنها في جوهرها تحمل رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز البعد الاحتفالي إلى عمق التحولات الجيوسياسية في الإقليم.
توقيت الزيارة لا يمكن فصله عن سلسلة التطورات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، وعلى رأسها سقوط مدينة الفاشر بيد مليشيا الدعم السريع، في تحولٍ عسكري وسياسي يعيد ترتيب موازين القوى في السودان والمنطقة. هذا السقوط لم يكن مجرد انتصار ميداني، بل يُعد زلزالاً استراتيجياً أطلق موجة ارتدادية في الخرطوم، أسمرا، وأديس أبابا، لما يحمله من دلالات على اتساع نفوذ أبوظبي في مسرح الصراع السوداني وسعيها لإعادة هندسة السلطة بما يخدم مصالحها الاقتصادية والعسكرية.
إرتريا تنظر إلى ما حدث في الفاشر كإنذار مباشر. فالمدينة تمثل بوابة الغرب السوداني، وسقوطها يعني اقتراب المليشيا المدعومة من أبوظبي من مناطق الشرق والبحر الأحمر،
أي نحو عمق المجال الحيوي الإرتري. لذلك، فإن تحرك أفورقي نحو القاهرة في هذا التوقيت لم يكن مصادفة، بل خطوة استباقية هدفها إعادة تموضع سياسي وعسكري، ومحاولة صياغة تفاهمات جديدة مع مصر حول كيفية مواجهة تمدد الدعم السريع والحد من تداعياته.
هذا القلق تضاعف بعد تهديدات حميدتي العلنية ضد إرتريا، واتهامه لها بدعم الجيش السوداني واستخدام أراضيها لإطلاق المسيرات. وبالنسبة لأفورقي، فإن دعم الجيش السوداني ليس انحيازاً سياسياً، بل ضرورة أمنية تتعلق مباشرة بتوازن القوى على حدوده الغربية. أي انهيار للجيش يعني فتح الطريق أمام نفوذ إثيوبي – إماراتي مزدوج قد يطوّق إرتريا من الجنوب والغرب، وهو السيناريو الذي يسعى لتفاديه عبر تحركات دبلوماسية مدروسة مع القاهرة وحلفائها.
في موازاة ذلك، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أمام البرلمان الأسبوع الماضي لتصبّ الزيت على النار. فقد أكد أن “الوصول إلى البحر مسألة قانونية وتاريخية وجغرافية واقتصادية محسومة”، مضيفاً أن “إثيوبيا لا تسعى للحرب، لكنها قادرة عليها وقادرة على حسمها لأنها القوة الأكبر”، ملقياً باللوم على من اتخذ القرار التاريخي الذي جعل بلاده دولة حبيسة “من دون شرعية سياسية أو قانونية”. هذا الخطاب لم يكن عرضياً، بل يعكس تصعيداً ممنهجاً في مقاربة إثيوبيا لمسألة البحر، وتحضيراً نفسياً وسياسياً لفرض أمر واقع عبر المفاوضة أو الضغط.
إرتريا قرأت هذه التصريحات كتهديد مباشر. فحين يتحدث آبي أحمد عن البحر، فإن المقصود هو البحر الإرتري تحديداً. ومجرد طرح الفكرة علناً يعني أن أديس أبابا بدأت مرحلة إعادة تعريف جغرافي وسيادي للمنطقة. لذلك، فإن أسمرا تنظر إلى الزيارة كجزء من معركة سياسية وقائية، لا كاستعراض دبلوماسي، خصوصاً أن إثيوبيا تسعى في الوقت نفسه إلى بناء تحالفات خفية مع مليشيا الدعم السريع بدعم مالي إماراتي، في محاولة لتطويق خصومها من الغرب والشرق معاً.
في هذا السياق جاءت لقاءات أفورقي في القاهرة، حيث أكدت البيانات الرسمية أن المباحثات تناولت “تعزيز التعاون الثنائي، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية السودانية، ورفض أي محاولات لإنشاء كيانات موازية”، في إشارة واضحة إلى المليشيا المدعومة إماراتياً. كما شدد الجانبان على “ضرورة تنسيق الجهود لضمان أمن البحر الأحمر وعدم التأثير على الملاحة فيه”، وهي صيغة دبلوماسية تخفي وراءها اتفاقاً ضمنياً على مراقبة التحركات الإثيوبية والإماراتية في الممرات البحرية.
لكن القاهرة، رغم حرصها على الظهور كفاعل إقليمي، لم تعد تملك قرارها كاملاً. فسياساتها تجاه السودان والقرن الإفريقي باتت محكومة بحسابات التمويل الخليجي، خاصة الإماراتي، الذي يشكل شرياناً اقتصادياً حيوياً للنظام المصري. لذلك، فإن الحديث عن “تحرك السيسي لحماية الأمن القومي جنوباً” يبدو أقرب إلى الخطاب منه إلى الفعل، لأن مصر لا يمكنها مواجهة الدور الإماراتي في السودان وهي تعتمد عليه اقتصادياً وتتناغم معه سياسياً. إنها معادلة التبعية التي جردت القاهرة من قدرتها على المبادرة في أكثر مناطقها حساسية.
في المقابل، تحاول أسمرا الحفاظ على استقلال قرارها، رغم الضغوط المتزايدة من المحور الإماراتي – الإثيوبي. فهي تدرك أن القبول بالتحييد الكامل يعني خسارة أوراقها في لعبة التوازن الإقليمي. لذلك تسعى إلى بناء شراكات مرنة مع القاهرة وموسكو، وإعادة تنشيط تفاهماتها مع الصومال، مع إبقاء الباب موارباً أمام التهدئة مع أديس أبابا إذا ضمنت أمنها وحدودها. أما القوى الإقليمية الأخرى، كتركيا وروسيا، فتتحرك ببراغماتية حذرة. أنقرة تحاول العودة إلى البحر الأحمر بعد تراجع حضورها في سواكن، مستغلة تراجع الدور المصري، بينما موسكو تترقب فرص تثبيت وجودها البحري من خلال تفاهمات مع الخرطوم أو أسمرا، في إطار مشروعها الأوسع لتوسيع حضورها العسكري في المياه الدافئة. كلا العاصمتين تدرك أن البحر الأحمر أصبح خط تماس دولياً لا يقل أهمية عن الخليج أو شرق المتوسط.
كل ذلك يجعل زيارة أفورقي حدثاً سياسياً مركّباً أكثر من كونها نشاطاً دبلوماسياً عادياً. إنها محاولة لترسيم حدود جديدة بين الممكن والممنوع في لعبة النفوذ بالقرن الإفريقي، حيث تتقاطع مصالح أربع قوى رئيسية: إثيوبيا الباحثة عن منفذ بحري، إريتريا المدافعة عن أمنها، مصر المترددة بين تبعيتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي، والإمارات التي تحرك الخيوط من الخلف وتعيد تشكيل التوازنات وفق مصالحها.
في هذا الإطار، يمكن القول إن أفورقي جاء إلى القاهرة لا ليستعرض صداقاته القديمة، بل ليرسم خط دفاعه الأول في مواجهة واقع إقليمي يتغير بسرعة غير مسبوقة. يدرك أن الخطر لم يعد نظرياً، وأن الخرائط الجديدة تُرسم بالتحالفات والموانئ لا بالبيانات. الزيارة في مضمونها إعلان ضمني بأن أسمرا لن تبقى متفرجة على إعادة توزيع النفوذ في جوارها الحيوي، وأنها تتحرك لتأمين موقعها قبل أن تُفرض عليها معادلات الأمر الواقع. إن ما يلوح في الأفق ليس مجرد صراع حدود أو مصالح، بل صراع على من يمتلك القرار ومن يسيطر على الممر. ومع استمرار تمدد المليشيا المدعومة إماراتياً غرب السودان، وتصاعد الخطاب الإثيوبي حول البحر، وتراجع قدرة القاهرة على المبادرة، فإن البحر الأحمر والقرن الإفريقي يقتربان من مرحلة جديدة من التصعيد المكشوف.
الزيارة ليست إذن لافتتاح متحف، بل إشارة مبكرة لمعركة توازنات مقبلة، تُمزج فيها الجغرافيا بالاستراتيجيا، ويعاد فيها تعريف الأمن القومي من منظور بحري وحدودي في آنٍ واحد. وإذا لم تُدرك القوى العربية خطورة ما يجري، فإنها قد تستيقظ على مشهدٍ جديد تتحول فيه سواحل البحر الأحمر إلى خطوط تماس مفتوحة بين مشاريع متعارضة، وتغدو أسمرا والقاهرة معاً خارج دائرة الفعل. في هذا المعنى، يمكن القول إن زيارة أفورقي إلى القاهرة لم تكن مجرد جولة دبلوماسية، بل صرخة استباقية في وجه زمن يعاد فيه رسم الخرائط… ومن يملك القرار، يملك الممر.



